السيد علي الطباطبائي
289
رياض المسائل ( ط . ق )
وهل حكم الجري أو غيره مما لا يؤكل لحمه حكم الطحال مع اللحم في ذلك من اعتبار الأعلى والأسفل ظاهر المحكي عن الصدوقين وابن حمزة الأول واختاره في التنقيح لصدر الموثق المتقدم وهو حسن خلافا للمختلف فخص الحكم بالطحال عملا بأصالة الإباحة واستضعافا للرواية ولا وجه له بعد القول بحجية الموثق كما هو الأصح الأشهر سيما بعد انجباره واعتضاده في الجملة بالشهرة مع أن الحكمة في الحرمة في الطحال وغيره واحدة وهي سيلان الرطوبة المحرمة من حيث الجزئية لا من حيث النجاسة إلى ما تحته وتشرب الأسفل بها فيحرم ومن هنا يظهر أنه ينبغي تقييد الحكم بالتحريم في المسألتين بصورة إمكان سيلان الرطوبة من الأعلى المحرم إلى الأسفل المحلل فلو قطع بعدم السيلان لم يحرم الأسفل للأصل واختصاص إطلاق الفتاوى والنص بحكم التبادر والغلبة في موردهما بصورة إمكان السيلان أو مقطوعيته أو ظهوره سيما مع التصريح بالحكمة في كثير من النصوص والفتاوى وإطلاقهما يقتضي الحرمة مع الشك في السيلان مع احتمالهما التقييد بصورة القطع به أو ظهوره فيحل في غيرها عملا بالأصل ولا ريب أن التجنب مطلقا أحوط [ الثالث الأعيان النجسة ] الثالث الأعيان النجسة بالأصالة كالعذرات ونحوها والأصل في تحريمها بعد الإجماع المقطوع به المحكي في الغنية وغيرها بل يمكن عده من الضروريات جدا الأخبار المتواترة معنى قطعا الظاهرة على المتتبع لها في مباحث عديدة لا تكاد تحصى ومنها ما دل على حرمة المتنجسات بالخمر والميتة والدم وغيرها فإن النصوص الدالة على حرمتها دالة على حرمة ما هنا بطريق أولى هذا مع أن جملة منها بل لعلها كلها منصوص على تحريمها بخصوصها مضافا إلى كونها كلا أو جلا من الخبائث المحرمة بالإجماع والكتاب والسنة كالأمور الثلاثة ونحوها ما أبين من الحي إذا كان مما تحله الحياة لأنه ميتة أو بحكمها نصا وفتوى كما مضى في بحثها والعجين إذا عجن بالماء النجس حرام مطلقا ولو خبز وأكلت النار ما فيه من الرطوبات ولو كلها على الأشهر الأقوى بل عليه كافة متأخري أصحابنا ومنهم الشيخ في التهذيب وكتاب الأطعمة من النهاية لأصالة بقاء الحرمة والمرسلين كالصحيحين بابن أبي عمير المجمع على تصحيح رواياته ومراسيله كمسانيده في أحدهما العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به قال يباع من يستحل أكل الميتة وفي الثاني يدفن ولا يباع وإطلاقهما بل عمومهما أو أحدهما الناشئ عن ترك الاستفصال يشمل صورة إمكان الخبز وعدمها بل لعلهما ظاهران في الصورة الأولى لأغلبيتها فالعدول فيها عن الأمر بالخبز الذي هو أسهل إلى الأمر بالبيع والدفن اللذين لا يخلوان عن وجه منع سيما الثاني لاستلزامه إضاعة المال المحترم بمقتضى الفرض وإمكان الانتفاع به على الوجه المحلل ظاهر في تعينهما وعدم الحل بالخبز أصلا فما يقال في القدح عليهما في الدلالة على المدعى من أنه ما لم يخبز بالنار نجس فحكمه في البيع ما تضمناه وهذا لا ينافي الرواية الآتية بتقدير الدلالة على الطهارة إذا خبز كما ترى ولذا أن الشيخ في الكتابين فهم كغيره التعارض بين الروايتين اللتين مضى ذكر أولهما وأشار إلى الثانية منهما بقوله وفيه رواية بالجواز أي جواز أكله بعد خبزه لأن النار قد طهرته والمراد بالرواية الجنس لتعددها منها المرسل كالصحيح بابن أبي عمير المتقدم في عجين عجن وخبز ثم على أن الماء كانت فيه ميتة قال لا بأس أكلت النار ما فيه ومنها عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الدواب فتموت فيعجن من مائها أيؤكل ذلك الخبز قال إذا أصابته النار فلا بأس بأكله وفي سنده جهالة مع عدم مقاومتها كما تقدم للروايتين المتقدمتين لاعتبار سنديهما معا واعتضادهما بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا بخلاف هاتين لقصور سند إحداهما وشذوذ القائل بهما إذا لم أقف إلا على الشيخ في كتاب الاستبصار وبحث المياه من النهاية ورأيه في الأول غير معلوم لاحتمال قصده بذلك مجرد الجمع بين الأخبار المختلفة ولذا ذكر جملة من الأجلة أن فتاويه في الكتابين في الجمع بين النصوص المختلفة غير معلومة وأما فتواه بذلك في النهاية وإن كانت صريحة إلا أنه قد رجع عنها فيها في كتاب الأطعمة فيما هذا شأنه كيف تعرض به الأخبار السابقة سيما مع ما هما عليه من عدم الصراحة لاحتمالهما التقييد بصورة طهارة الماء إذ ليس فيهما ما يدل صريحا على كونه نجسا فإن الميتة في الأولى أعم من ذي النفس وغيره مما يكون طاهرا مع أن العلم بوقوعها فيه أعم من العلم بكون الوقوع قبل الاستعمال والشك فيه وعليه يكون الماء طاهرا استصحابا والفأرة في الثانية وإن كانت ذات نفس سائلة ميتتها نجسة إلا أن نجاسة البئر بمجرد ملاقاتها محل مناقشة بل الأقوى الطهارة كما مر في كتابها إليه الإشارة واحتمال السؤال التغيير بها فيعم الجواب بترك الاستفصال له حسن وجار مثله فيما تقدمه إلا أنه لا يوجب الصراحة التي هي المناط في تخصيص الأدلة بل غايته الظهور فلا يمكن الخروج بهما عن الاستصحاب والخبرين الذين تقدما وإن اعتضد ظهورهما بما فيهما من العلة وما في حكمها إذ لا يوجبان الصراحة جدا بعد احتمال كون المراد مما تأكله النار النفرة الحاصلة للنفس أو الموجبة للكراهة لا النجاسة سيما مع الاتفاق على أن النار إنما تطهر بالإحالة لا بالتخفيف ونحوه ثم لو سلم الصراحة فيهما كما عرفت قاصرتان عن المقاومة لما مر من الأدلة من وجوه عديدة ومنها الشذوذ والندرة فيهما دون السابقة فلا شبهة في المسألة بحمد اللَّه سبحانه [ الرابع الطين ] الرابع الطين وهو بجميع أصنافه حرام إجماعا فتوى ونصا مستفيضا بل متواترا منها أكل الطين حرام كلحم الخنزير ومن أكله ثم مات فيه لم أصل عليه إلا طين القبر فإن فيه شفاء من كل داء ومن أكله بشهوة لم يكن فيه شفاء وفي رواية وأمانا من كل خوف ويستفاد منه ومن غيره مما تضمن الاستثناء المذكور فيه المشار إليه في كلام الأصحاب بقولهم إلا طين قبر الحسين للاستشفاء أن المراد بالطين هنا ما يعم التراب الخالص والممزوج بالماء الذي هو معناه الحقيقي لغة وعرفا مضافا إلى تعليل التحريم بالإضرار للبدن الوارد في بعض النصوص والفتاوى بناء على حصول الضرر في الخالص أيضا قطعا ومنه يظهر وجه ما اشتهر بين المتفقهة من حرمة التراب والأرض كلها حتى الرمل والأحجار وضعف ما أورد عليهم من أن المذكور في النصوص الطين الذي هو حقيقة في التراب الممزوج بالماء إلا أن يخص الإيراد بصورة القطع بعدم ضرر هذه الأشياء فهو حسن